بقلم: محمد علي العويني
في مقالي السابق «قيادة بلا احتراق» تحدثت عن
خطورة أن تتحول بيئة العمل إلى سباق دائم نحو النتائج قصيرة المدى، حيث تُرفع
الأهداف باستمرار، ويُقاس النجاح بالأرقام الفورية، بينما يتم تجاهل الطاقة
التنظيمية التي تجعل الأداء ممكنًا أساسًا.
لكن بعض القرّاء طرحوا سؤالًا مهمًا:
أليست “الانتصارات السريعة” عنصرًا أساسيًا في
نجاح التحولات المؤسسية؟
ألم نتحدث سابقًا عن أهميتها في بناء الزخم وتحريك الفرق؟
السؤال مشروع.
والإجابة تحتاج إلى توضيح دقيق.
لا يوجد تعارض بين “الانتصارات السريعة” و ”القيادة بلا احتراق”.
التعارض يحدث فقط حين يساء استخدام الأولى، أو تُفهم خارج سياقها.
ما هي الانتصارات السريعة في سياق
إدارة الأداء؟
الانتصارات السريعة (Quick Wins) هي
نتائج ملموسة تتحقق في وقت قصير، وتُستخدم عادة في:
- بداية
مشروع تحوّل
- مرحلة
استعادة الثقة
- بيئة
تعاني من الجمود
- فرق
فقدت الحافز
وظيفتها الأساسية ليست تعظيم الأرقام، بل بناء الزخم.
الزخم النفسي، والزخم التنفيذي.
حين يرى الفريق نتيجة واضحة خلال فترة قصيرة،
تتغير القناعة من “هذا مستحيل” إلى “هذا ممكن”.
وهذا تحول جوهري في إدارة الأداء.
متى تتحول الانتصارات السريعة إلى
مصدر احتراق وظيفي؟
المشكلة لا تبدأ في الانتصار السريع نفسه،
بل تبدأ حين يتحول إلى النموذج الدائم لإدارة الأداء.
عندما تصبح المؤسسة في حالة مطاردة مستمرة
للإنجاز التالي دون فترات تثبيت.
عندما تُرفع الأهداف فور تحقيقها.
عندما يُكافأ الإنجاز السريع، ولا يُكافأ البناء
المنهجي.
عندما يُقاس النجاح بالنتيجة اللحظية فقط، لا
بالقدرة على تكرارها.
في هذه الحالة، يتحول الأداء من كونه منظمًا إلى
كونه متوترًا.
وهنا يبدأ الاحتراق الوظيفي بالظهور، ليس كحالة
فردية، بل كثقافة تنظيمية.
الفرق بين الزخم… والاستنزاف
من منظور استشاري في القيادة المؤسسية، هناك فرق
جوهري بين:
الزخم
- ضغط
محدود بزمن.
- هدف
واضح.
- يتبعه
تثبيت.
- يقود
إلى نظام أقوى.
الاستنزاف
- ضغط
دائم.
- أهداف
متصاعدة بلا توقف.
- لا
توجد فترات استقرار.
- يعتمد
على تحفيز مستمر بدل نظام متماسك.
الانتصارات السريعة تصنع الزخم.
لكن غياب الإيقاع يحوّل الزخم إلى استنزاف.
دورة الأداء المتوازن: كيف نمنع
الاحتراق التنظيمي؟
القيادة بلا احتراق لا تعني إبطاء الأداء،
ولا تعني تخفيض الطموح.
بل تعني إدارة الإيقاع.
ومن واقع العمل مع قيادات تنفيذية، يمكن تلخيص
دورة الأداء المتوازن في أربع مراحل:
.1 إطلاق التحول
نستخدم الانتصارات السريعة لكسر الجمود وإثبات
إمكانية التغيير.
.2تثبيت
المكاسب
نحول النتائج إلى إجراءات وسياسات، ونبطئ الإيقاع
قليلًا.
.3 بناء القدرة المؤسسية
نستثمر في الأنظمة، والمهارات، ولوحات القياس
المتوازنة.
.4 استدامة الأداء
يصبح الإنجاز نتيجة طبيعية لنظام مستقر، لا
لحملات ضغط متكررة.
بعدها يمكن إطلاق موجة جديدة من الانتصارات،
لكن على أرضية أكثر صلابة.
بهذا الفهم، لا تكون الانتصارات السريعة خطرًا،
بل جزءًا من هندسة الأداء المستدام.
لماذا تقع بعض المؤسسات في فخ
النتائج قصيرة المدى؟
السبب ليس سوء نية.
بل ضغط السوق.
وضغط المنافسة.
وضغط التقارير الفصلية.
لكن القائد الناضج يدرك أن تعظيم النتائج قصيرة
المدى على حساب الاستدامة يؤدي إلى:
- ارتفاع
معدلات الاحتراق الوظيفي
- تراجع
جودة القرار
- فقدان
المبادرة
- تسرب
الكفاءات
وهذه تكاليف لا تظهر في التقارير المالية فورًا،
لكنها تظهر لاحقًا في تآكل الأداء.
كيف يعرف القائد أنه تجاوز الحد
الصحي؟
هناك ثلاثة أسئلة بسيطة:
1. هل لدينا فترات تثبيت بعد كل موجة إنجاز؟
2. هل نقيس الطاقة التنظيمية كما نقيس الأرقام؟
3. هل يشعر الفريق بالاتساق… أم بالمطاردة الدائمة؟
إذا كانت الإجابة على السؤال الثاني “لا”،
فغالبًا هناك جانب غير مرئي لا تتم إدارته.
وهذا هو جوهر القيادة بلا احتراق.
إعادة تعريف النجاح القيادي
النجاح ليس في تحقيق رقم مرتفع هذا الربع فقط.
بل في القدرة على تكراره دون تكلفة بشرية مرتفعة.
النجاح ليس في مضاعفة الجهد باستمرار،
بل في تحسين النظام الذي يجعل الجهد أكثر فاعلية.
النجاح ليس في حرق الطاقة،
بل في تنظيمها.
وهنا يلتقي مفهوم الانتصارات السريعة مع فلسفة
الأداء المستدام.
الأولى تشعل البداية.
الثانية تحافظ على الاستمرارية.
الخلاصة: لا تعارض… بل تكامل
الانتصارات السريعة أداة قيادية مهمة.
لكنها مرحلة، لا أسلوب حياة تنظيمي.
القيادة بلا احتراق لا تلغي السرعة، بل تضبطها. لا تلغي الطموح، بل تنظمه.
لا تعارض بين بناء الزخم، وبناء القدرة المؤسسية.
التعارض يظهر فقط حين نخلط بين الأداة والنموذج.
القائد الحقيقي لا يختار بين السرعة والاستدامة،
بل يعرف متى يستخدم كل منهما، وكيف ينتقل من مرحلة إلى أخرى دون أن
يفقد توازن المؤسسة.
في النهاية، النتائج مهمة.
لكن القدرة على تحقيقها مرارًا… دون احتراق… هي الميزة التنافسية
الحقيقية.
