(مقال تحليلي مرفق بكتيّب تنفيذي تطبيقي للتحميل في نهاية المقال)
في
كثير من المجالس التنفيذية، يتكرر المشهد ذاته:
معدلات نموّ مرتفعة، مؤشرات أداء تتحسن، توسع في السوق، إنجازات رقمية
واضحة. ومع ذلك، يظهر في الكواليس شيء مختلف: إرهاق متزايد لدى القيادات، توتر
داخل الفرق، وتراجع غير معلن في الطاقة النفسية.
السؤال
الذي لا يُطرح كثيرًا هو:
لماذا
يتحول النجاح أحيانًا إلى مصدر استنزاف؟
المشكلة
ليست في الطموح،
ولا في ارتفاع المعايير،
ولا في الرغبة المشروعة في تحقيق نتائج قوية.
المشكلة
تكمن في خلطٍ منهجي بين نمطين مختلفين من التحفيز:
- التحفيز
قصير المدى المرتبط بالمكافآت الفورية
- وبناء
القدرة طويلة المدى المرتبطة بالأهداف والاستقرار
هذا
الخلط، عندما يتحول إلى فلسفة إدارية، يؤدي إلى نتائج جيدة على المدى القصير، لكنه
يضعف استدامة الأداء على المدى الطويل.
التحفيز
اللحظي: محرك قوي… لكنه محدود العمر
تشير
أبحاث علم الأعصاب السلوكي إلى أن الدوبامين يرتبط بالتوقع والمكافأة والتحفيز
المرتبط بتحقيق الأهداف. إنه المحرك الكيميائي الذي يدفعنا للتحرك والإنجاز
والمنافسة.
يرتفع
هذا التحفيز عندما:
- يتحقق هدف
رقمي
- تُغلق
صفقة مهمة
- تُعلن
نتائج فصلية إيجابية
- يحصل
الفرد على مكافأة مباشرة
وهذا
عنصر أساسي في أي بيئة أداء عالية.
لكن
التحدي يبدأ عندما يُصبح هذا النمط هو الأساس الوحيد للتحفيز داخل المؤسسة.
عندما
تعتمد الثقافة المؤسسية على:
- أهداف
قصيرة الأمد متتابعة
- تصعيد
مستمر في التوقعات
- مكافآت
مرتبطة حصريًا بالنتائج الرقمية
- ضغط دائم
للحفاظ على نفس مستوى الإنجاز
عندها
تتحول بيئة العمل إلى نظام عالي الاستثارة، منخفض الاستقرار.
في
البداية، يبدو الأداء قويًا.
لكن مع الوقت، تحتاج المؤسسة إلى جرعات أعلى من الضغط للحفاظ على نفس
النتائج.
وهنا
يبدأ الاستنزاف.
الاحتراق
نتيجة تصميم… لا نتيجة ضعف
تُظهر
أبحاث الاحتراق الوظيفي، كما في أعمال كريستينا ماسلاش، أن الإرهاق المزمن لا
يرتبط فقط بحجم العمل، بل بغياب العدالة، وضعف الشعور بالتحكم، وتراجع الإحساس
بأثر مساهمته.
الموظفون
لا يحترقون لأنهم يعملون كثيرًا فحسب،
بل لأنهم يعملون داخل نظام لا يعيد إليهم طاقة بقدر ما يستهلك منهم.
عندما
ترتبط قيمة الفرد بإنتاجيته فقط،
وعندما يصبح الأداء معيار الاعتراف الوحيد،
فإن أي انخفاض طبيعي في النتائج يتحول إلى ضغط نفسي مضاعف.
وهنا
لا يتضرر الأفراد فقط،
بل تتضرر جودة القرارات، والقدرة على الابتكار، واستقرار الكفاءات.
القدرة
المستدامة: ما وراء الأرقام
في
المقابل، تشير نظريات التحفيز الداخلي — ومنها نظرية التحديد الذاتي لإدوارد ديسي
وريتشارد رايان — إلى أن الاستدامة المهنية ترتبط بثلاثة عناصر:
- الشعور
بالكفاءة
- الشعور
بالاستقلالية
- الشعور
بالانتماء
هذه
العناصر لا تتحقق بالمكافآت اللحظية فقط،
بل ببناء بيئة مستقرة عادلة واضحة الاتجاه.
وهنا
يظهر الفرق بين نموذجين قياديين:
الأول
يركز على تعظيم النتائج الفورية.
الثاني يركز على حماية القدرة على تحقيق النتائج مستقبلًا.
الفرق
دقيق… لكنه جوهري.
نموذج
الأداء قصير المدى مقابل نموذج القدرة طويلة المدى
كثير
من المؤسسات تعمل ضمن نموذج يمكن وصفه بـ"الأداء قصير المدى".
سماته:
- انتقال
سريع من إنجاز إلى هدف أكبر
- تصعيد
دائم في التوقعات
- ثقافة
تمجيد الضغط
- مكافأة
الإنجاز أكثر من مكافأة الاتساق
هذا
النموذج ينتج قفزات سريعة.
لكنه يضعف الطاقة التنظيمية بمرور الوقت.
في
المقابل، نموذج القدرة طويلة المدى يقوم على:
1. وضوح الهدف وربطه برؤية استراتيجية
2. عدالة في التقييم والمكافأة
3. ضغط محسوب لا عشوائي
4. استثمار مستمر في النمو المهني
5. قياس مؤشرات الاستدامة لا النتائج فقط
وقد
أشارت دراسات عديدة حول استدامة المؤسسات، من بينها أعمال جيم كولينز، إلى أن
التفوق طويل المدى لا يقوم على البطولات الفردية، بل على انضباط متراكم وثقافة
متزنة.
رمضان:
فرصة لإعادة ضبط الإيقاع المؤسسي
رمضان،
من منظور سلوكي وتنظيمي، يخلق بيئة مختلفة:
- إيقاع
يومي أبطأ
- تأجيل
للإشباع الفوري
- مساحة
أكبر للتأمل
- إعادة
ترتيب الأولويات
هذه
البيئة يمكن أن تكون فرصة استراتيجية لإعادة ضبط إيقاع المؤسسة.
ليس
الهدف تقليل الأداء بل إعادة توزيع الضغط.
ليس
المطلوب خفض المعايير بل مراجعة طريقة تحقيقها.
يمكن
للقائد خلال هذا الشهر أن يسأل:
- هل
أولوياتنا واضحة أم مزدحمة؟
- هل نقيس
النتائج فقط أم نقيس الاستدامة؟
- هل نظام
التحفيز لدينا يعزز الاتساق أم يضخم اللحظة؟
رمضان
قد يكون موسم إرهاق إضافي،
وقد يكون موسم تصحيح منهجي.
الفرق
يتحدد بوعي القيادة.
من
الفكرة إلى التطبيق
الحديث
عن "قيادة بلا احتراق" لا يكتمل دون خطوات عملية.
إعادة
تصميم نظام التحفيز يتطلب:
- مراجعة
مؤشرات الأداء
- إعادة
ترتيب الأولويات
- ضبط إيقاع
الاجتماعات
- تقييم
توزيع الضغط
- إضافة
مؤشرات لاستدامة الطاقة التنظيمية
ولهذا
أعددنا كتيّبًا تنفيذيًا موجّهًا لقادة الشركات بعنوان:
"رمضان
وإدارة العقول: من تعظيم النتائج قصيرة المدى إلى بناء قدرة مؤسسية مستدامة"
الكتيّب
يتضمن:
- إطارًا
عمليًا لإعادة توازن نظام التحفيز
- خطة
تنفيذية لمدة 15 يومًا خلال رمضان
- مؤشرات
قياس لاستدامة الأداء
- أدوات
قابلة للتطبيق داخل فرق العمل
إذا
كان هدفك تحقيق نتائج قوية دون استنزاف فريقك،
فربما حان الوقت للانتقال من إدارة الضغط…
إلى إدارة القدرة.
القيادة
الحقيقية لا تُقاس فقط بما تحققه اليوم،
بل بقدرتك على الحفاظ على طاقة فريقك غدًا.
وهنا
يبدأ الفرق بين أداءٍ سريع…
وقدرةٍ تدوم.
